تعمل مصر على إنعاش حركة الملاحة في قناة السويس بعد تراجع حاد سبّبته تحركات الحوثيين في البحر الأحمر، ذلك التراجع الذي حرم الاقتصاد المصري من مصدر مهم للعملة الصعبة.
كشفت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية عن تحركات للحكومة المصرية بالتزامن مع التهدئة في قطاع غزة، حيث قالت إن القاهرة تسعى لجذب شركات الشحن للعودة تدريجيًا إلى القناة عبر حوافز وخدمات جديدة، وخلال الأشهر الأخيرة، وبعد التوصل إلى اتفاق هدنة في غزة بوساطة مصرية، بدأت حركة السفن تتحسن بشكل ملحوظ لكنه ما يزال محدودًا.

فبحسب مسؤولي هيئة قناة السويس، ارتفع متوسط العبور اليومي إلى نحو 45 سفينة، مقارنة بنحو 35 سفينة قبل الهدنة، لكنه يبقى أقل كثيرًا من المعدلات التي كانت سائدة قبل الحرب والتي وصلت إلى نحو 70 سفينة يوميًا.
وتُعد قناة السويس بالنسبة لمصر أكثر من مجرد ممر ملاحي، إذ تُعتبر شريانًا اقتصاديًا يجلب الدولارات اللازمة لاستيراد السلع الأساسية ودعم احتياجات الدولة المالية. كما تمتلك القناة قيمة تاريخية وسيادية كبيرة منذ تأميمها عام 1956، وقد شهدت توسعات ضخمة خلال السنوات الأخيرة لتحسين قدرتها على استيعاب السفن العملاقة وتعزيز قدرتها التنافسية عالميًا.

قبل اندلاع أزمة البحر الأحمر، حققت القناة طفرة في الإيرادات وصلت إلى 10.2 مليار دولار في عام 2023، وكانت تمر عبرها نسبة معتبرة من التجارة البحرية العالمية. لكن بعد ذلك تسببت الهجمات الحوثية في اضطرابات واسعة، وارتفعت معدلات التأمين على السفن بشكل كبير، ما جعل شركات كثيرة تفضل الابتعاد عن البحر الأحمر حتى مع ارتفاع الكلفة.
ورغم محاولات عسكرية دولية لاحتواء التهديد، فإن استمرار الهجمات لفترات طويلة، وسقوط قتلى وغرق سفن، جعل قرار العودة إلى المسار محفوفًا بالمخاطر. لذلك اتجهت مصر إلى خطة مختلفة تقوم على “الإغراء التجاري” بدل الاعتماد على الحلول الأمنية وحدها، عبر تقديم خصومات تصل إلى 15% للسفن الكبيرة، وإضافة خدمات تشمل الإصلاحات والإخلاء الطبي وتبديل الأطقم داخل مصر، إلى جانب خطط لإنشاء محطات تموين وقود لتعزيز جاذبية القناة.

وبدأت بعض الشركات تعطي إشارات إيجابية، حيث أعادت شركة CMA CGM الفرنسية تشغيل بعض المسارات عبر القناة، كما أعلنت “ميرسك” الدنماركية استئناف المرور المنتظم في أحد خطوطها بعد رحلات تجريبية. لكن شركات أخرى كبرى لا تزال مترددة، بسبب عدم اليقين الأمني في البحر الأحمر وهشاشة أي تهدئة مرتبطة بالحرب في غزة.
ويؤكد خبراء أن الحوافز المالية وحدها قد لا تكون كافية، لأن المخاطر على الطواقم البشرية لا تُقاس بالخصومات، كما أن شركات الشحن لا تريد العودة ثم الاضطرار للانسحاب مرة أخرى في حال تجدد الهجمات. ولهذا ترتبط استعادة قناة السويس لزخمها الكامل باستقرار طويل في المنطقة، خاصة استمرار وقف إطلاق النار في غزة وعدم حدوث تصعيد جديد سواء في البحر الأحمر أو بسبب توترات أخرى قد تشمل إيران.





