بحسب مجلة «هسفرانيم» التابعة للمكتبة الوطنية الإسرائيلية، شكّلت حرب أكتوبر 1973، التي تُعرف في إسرائيل باسم «حرب يوم الغفران»، واحدة من أكثر الحروب إيلامًا في الذاكرة الإسرائيلية. ولم تقتصر تداعياتها على ساحات القتال والخسائر والأسرى والمفقودين، بل امتدت إلى الداخل الإسرائيلي، حيث سادت حالة من الخوف والارتباك، في ظل اندلاع الحرب بصورة مفاجئة واضطرار إسرائيل إلى القتال على أكثر من جبهة، وسط أجواء وصلت إلى حد تداول أحاديث عن حفر مقابر جماعية.
وتقول المجلة إن الحكومة الإسرائيلية أدركت أهمية الحفاظ على معنويات السكان، ولذلك أظهرت دراسة البيانات الصحفية الرسمية الصادرة في بداية الحرب إصرار السلطات على تقديم صورة توحي بـ«السيطرة» واستمرار الحياة بصورة طبيعية، مع التركيز على تفاصيل محددة وتجاهل أخرى. وترى المجلة أن وسائل الإعلام الإسرائيلية ساهمت بدورها في تكوين هذه الصورة، إذ عكست عناوين الصحف الرسائل الحكومية دون إثارة تساؤلات جوهرية حول حقيقة الأوضاع على الجبهات.
ووفق الرواية التي أوردتها «هسفرانيم»، أظهرت البيانات العسكرية الصادرة يومي 6 و7 أكتوبر محاولة التركيز على الخسائر المصرية والسورية والاشتباكات والإنجازات الإسرائيلية، في مقابل عدم إبراز حجم الأزمة التي واجهها الجيش الإسرائيلي. ففي أحد البيانات جرى الحديث عن إسقاط مروحيات مصرية وتدمير دبابات وأسر جنود، بينما ورد عبور القوات المصرية لقناة السويس وسط سرد تلك التطورات العسكرية.

وتضيف المجلة أن البيانات الإسرائيلية ركزت على تصوير القوات المصرية والسورية وكأنها تتعرض للصد، بينما كان الجيش الإسرائيلي قد فوجئ بالهجوم دون استعداد كافٍ، وتمكنت القوات المصرية من عبور قناة السويس، بالتزامن مع تقدم القوات السورية على الجبهة الأخرى. وفي الوقت نفسه، سعت الحكومة إلى إظهار استمرار الحياة بصورة طبيعية، حتى إن أحد بيانات 7 أكتوبر حمل عنوانًا يدعو إلى استمرار الاستعدادات للانتخابات، في رسالة هدفت، بحسب المجلة، إلى طمأنة الإسرائيليين بأن الحرب لن تعطل شؤون البلاد.
وفي السياق نفسه، صدر بيان آخر يتحدث عن عدم مغادرة السياح لإسرائيل، ويؤكد أن عشرات الآلاف منهم الموجودين في الفنادق وأماكن العطلات لم يظهروا رغبة في تقصير إقامتهم. وترى المجلة أن سلسلة البيانات الحكومية سعت إلى توجيه اهتمام الرأي العام نحو نجاحات جزئية، بدلًا من تقديم الصورة الكاملة للوضع العسكري، كما لم تركز على الخسائر الإسرائيلية بقدر تركيزها على خسائر القوات العربية.
ومع استمرار الحرب، اتجهت البيانات، بحسب «هسفرانيم»، إلى نشر قصص شخصية ومقابلات مع جنود وتقارير للمراسلين العسكريين، إلى جانب مقابلة مع جندي مصري أسير. وفي الوقت نفسه، صدرت رسائل دينية تدعو الإسرائيليين إلى مواصلة الاحتفال بالأعياد والمناسبات، في إطار السعي للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ومعنويات السكان.
وتشير المجلة إلى أن هذا النهج استمر حتى مراحل لاحقة من الحرب؛ ففي 15 أكتوبر أعلن الجيش الإسرائيلي أن «الوحدة المغربية قد دُمرت بالكامل»، وهو خبر بدا في ظاهره وكأنه يعكس نجاحًا عسكريًا كبيرًا، إلا أن المجلة تقول إن حجم القوة المغربية كان محدودًا مقارنة بقوات عربية أخرى شاركت في الحرب، مثل القوات العراقية. وخلصت «هسفرانيم» في عرضها المنشور في 19 سبتمبر 2023 إلى التساؤل عما إذا كان هذا الأسلوب سياسة إعلامية متعمدة لإخفاء حقيقة الوضع عن الجمهور الإسرائيلي أم استمرارًا للتصورات التي سبقت الحرب.





