ماعت جروب| كشفت صحيفة فورين أفيرز أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في فبراير 2026، لم تؤدِ إلى انهيار الجمهورية الإسلامية كما كانت تتوقع واشنطن وتل أبيب، بل ساهمت في إعادة تشكيل النظام الإيراني داخليًا وخارجيًا. فبعد موجة قصف واسعة وحصار بحري أمريكي، ظن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إيران باتت على وشك السقوط، لكن بعد أشهر من الحرب تبيّن أن طهران ما زالت تحتفظ بقدراتها العسكرية والصناعية، وأن الدعوات إلى إسقاط النظام لم تتحول إلى انتفاضة شعبية.
وقالت الصحيفة إن الحرب أنتجت «إيران جديدة»، يقودها جيل مختلف داخل الحرس الثوري ومؤسسات الأمن والدولة. هذا الجيل أقل ارتباطًا بالخطاب الثوري التقليدي، وأكثر ميلًا إلى القومية والبراغماتية وإدارة الدولة بمنطق تكنوقراطي. وبعد مقتل علي خامنئي في بداية الحرب، انتقلت السلطة سريعًا ومنظمًا إلى مجتبى خامنئي، ما عكس قدرة النظام على امتصاص الصدمة بدل الانهيار.
داخليًا، دفعت الحرب النظام إلى إعادة تنظيم مؤسساته وتسريع الإصلاحات الإدارية والعسكرية. فقد جرى تفويض صلاحيات أوسع للمحافظات، وتحديث أجهزة الدعاية والاتصال، وإنشاء بنية قيادة دفاعية أكثر مرونة. كما أعادت إيران توزيع منصات الصواريخ والطائرات المسيّرة، واستفادت من دروس حرب 2025 مع إسرائيل لتقليل أثر الضربات الأمريكية والإسرائيلية وإطالة أمد المواجهة.

عسكريًا، اعتمدت طهران على استراتيجية استنزاف دفاعات خصومها عبر موجات من الصواريخ والمسيّرات الرخيصة، مع ضرب الرادارات والقواعد الأمريكية في الخليج. كما وسّعت ساحة المعركة إلى مضيق هرمز والخليج، مستخدمة الزوارق السريعة والمسيّرات والتهديد بالألغام، ما جعل المضيق ورقة ضغط استراتيجية واقتصادية في يد إيران.
إقليميًا، خرجت إيران من الحرب وهي أكثر ثقة في قدرتها على فرض ميزان قوى جديد. فالحصار الأمريكي أضر بالاقتصاد الإيراني، لكنه كشف في المقابل أهمية سيطرة طهران على مضيق هرمز. وترى القيادة الإيرانية الجديدة أن سياسة احتواء إيران التي استمرت لعقود قد انتهت، وأن النظام الإقليمي المقبل سيكون أكثر تعددية، مع دور أكبر للصين وإيران، وتراجع نسبي للهيمنة الأمريكية.
على مستوى المجتمع الإيراني، لحرب غيّرت العلاقة بين الشعب والنظام. فبعد احتجاجات يناير 2026 التي أظهرت غضبًا واسعًا ضد السلطة، أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية إلى تصاعد شعور قومي عابر للانقسامات. ورغم بقاء الغضب من القمع وسوء الإدارة والأزمات الاقتصادية، فإن كثيرًا من الإيرانيين رأوا الجيش والحرس الثوري خلال الحرب كقوة دفاع عن الوطن لا كأداة قمع فقط.

النظام يحاول بناء «عقد اجتماعي» جديد قائم على القومية والكفاءة بدل الأيديولوجيا الإسلامية وحدها. فالإعلام الرسمي بدأ يركز على الهوية الإيرانية والثقافة الوطنية، مع قدر من التساهل الاجتماعي، مثل تخفيف تطبيق الحجاب والسماح ببعض الأنشطة التي كانت مقيدة. لكن ذلك لا يعني انفتاحًا سياسيًا، إذ يستمر النظام في قمع المعارضة.
اقتصاديًا، تدرك القيادة الإيرانية أن الأزمة المعيشية تمثل الخطر الأكبر على الاستقرار الداخلي. لذلك تسعى إلى إعادة الإعمار وإظهار الكفاءة في إدارة الخدمات والبنية التحتية، لكنها لا تراهن كثيرًا على رفع العقوبات الأمريكية، بل تسعى إلى تثبيت مكاسبها، خصوصًا عبر الاستفادة من موقعها الجغرافي في مضيق هرمز.
أما خارجيًا، فلن تتخلى إيران عن حلفائها الإقليميين مثل حزب الله والميليشيات العراقية والحوثيين، لكنها ستدير هذه العلاقات بمنطق استراتيجي أكثر انضباطًا وأقل أيديولوجية. فالقيادة الجديدة ترى أن تفعيل الجبهات المتعددة ضرورة لحماية إيران من الضغط الأمريكي والإسرائيلي، لا مجرد التزام ثوري قديم..






