أثار الاتفاق النووي الأميركي–السعودي، الذي أُعلن عنه في 22 يوليو، جدلاً واسعاً بين خبراء منع الانتشار النووي، بسبب ما قد يحمله من تداعيات على مستقبل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. وينص الاتفاق، الممتد لـ30 عاماً، على فتح المجال أمام الشركات الأميركية للمشاركة في تطوير البنية التحتية النووية السعودية، إلا أن أكثر بنوده إثارة للجدل يتمثل في احتمال السماح للمملكة بتخصيب اليورانيوم على أراضيها، وهو ما يراه خبراء خطوة قد تضعف معايير واشنطن التقليدية الصارمة في التعامل مع شركائها النوويين، وتدفع دولاً أخرى في المنطقة للمطالبة بامتيازات مماثلة.
وقالت صحيفة فورين أفيرز إن الغموض لا يزال يحيط ببعض تفاصيل الاتفاق، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي ربط فيها تنفيذ الاتفاق بتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، مع تأكيده في الوقت ذاته أنه “لن يكون هناك تخصيب”. كما أثارت تقارير تحدثت عن وجود ملاحق سرية للاتفاق مزيداً من التساؤلات بشأن طبيعته النهائية، وهو ما يجعل من الصعب تقييم آثاره الحقيقية في الوقت الحالي.
ويرى التقرير أن النقاش لم يعد يدور حول ما إذا كانت السعودية ستسير في طريق الطاقة النووية، بل حول كيفية إدارة هذا المسار بما يمنع اندلاع سباق تسلح نووي في المنطقة. ويستند في ذلك إلى أن المملكة قطعت بالفعل خطوات عملية في برنامجها النووي، إذ تقترب من تشغيل مفاعل أبحاث منخفض القدرة، كما تلقت عروضاً من شركات في الصين وفرنسا وروسيا وكوريا الجنوبية لبناء محطتين نوويتين، مع تأجيل اتخاذ القرار النهائي لحين انتهاء المفاوضات مع الولايات المتحدة.
ويحذر التقرير من أن السماح للسعودية بامتلاك قدرة وطنية على تخصيب اليورانيوم قد يشجع دولاً أخرى، مثل الإمارات ومصر وتركيا، على المطالبة بالحق نفسه، الأمر الذي قد يؤدي إلى اتساع نطاق البرامج النووية في الشرق الأوسط. كما يلفت إلى أن الاتفاق بصيغته الحالية لا يُلزم السعودية بتطبيق البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يمنح المفتشين صلاحيات أوسع للتحقق من سلمية الأنشطة النووية، وهو ما يثير مخاوف بشأن مستوى الرقابة الدولية على البرنامج النووي السعودي.

وبدلاً من منح المملكة حق التخصيب بشكل مستقل، يقترح الكاتب إنشاء بنك إقليمي للوقود النووي على الأراضي السعودية، بقيادة الولايات المتحدة وتحت إدارة وإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويهدف هذا البنك إلى توفير الوقود النووي منخفض التخصيب لجميع دول الشرق الأوسط المنضمة إلى معاهدة عدم الانتشار، بما فيها إيران، بما يضمن حصول الدول على احتياجاتها من الوقود النووي للأغراض السلمية دون الحاجة إلى تطوير برامج تخصيب وطنية.
ويرى التقرير أن هذا النموذج سيحقق عدة فوائد، إذ يمنح السعودية المكانة الدولية التي تسعى إليها، ويعزز الثقة الدولية في برنامجها النووي، ويزيد من مستوى الرقابة على الأنشطة النووية داخل المملكة، كما يحد من فرص التغلغل الصيني في هذا القطاع، ويقلل احتمالات اندلاع سباق نووي إقليمي يصعب احتواؤه مستقبلاً.
ويخلص التقرير إلى أن الاتفاق الأميركي–السعودي لا يزال في مرحلة الإطار العام، ومن المرجح أن يخضع لمزيد من التفاوض والمراجعة داخل الكونغرس الأميركي، الذي قد يطالب بضمانات إضافية تتعلق بمنع الانتشار النووي، مثل الحظر الصريح للتخصيب أو فرض رقابة دولية أكثر تشدداً. ويؤكد الكاتب أن الحل الأكثر استدامة يتمثل في تحويل التخصيب النووي من حق وطني إلى خدمة إقليمية خاضعة لإشراف دولي، بما يحقق التوازن بين طموحات السعودية النووية ومتطلبات الأمن الإقليمي، ويحافظ على نظام منع الانتشار النووي في الشرق الأوسط.







