
ترجمة خاصة – ماعت جروب | في وقت لا تزال فيه شركات التكنولوجيا تسوّق للذكاء الاصطناعي كحتمية لا مفر منها، بدأت تظهر مؤشرات متزايدة على تراجع الحماس العالمي لهذا القطاع.
ففي تقرير حديث لصحيفة “الجارديان” البريطانية، أشارت إلى ما وصفته بـ”فترة التبريد المفاجئة” التي يمر بها مجال الذكاء الاصطناعي، بعدما شهدت أسهم شركات ضخمة تعتمد على هذه التقنية تراجعاً ملموساً، بينما أعلنت شركة ميتا تجميد التوظيف في فرق الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع حالة من الترقب لأول اختبار حقيقي لهذا “الواقع الجديد”.
الذكاء الاصطناعي في كل مكان
ترصد “الجارديان” في تقريرها مشهداً مألوفاً في وادي السيليكون: لوحات إعلانية منتشرة على الطريق السريع 280 في سان فرانسيسكو، تروّج بشكل مكثف لمنتجات الذكاء الاصطناعي، من أدوات التوظيف المؤتمتة إلى العروض الخاصة بوحدات المعالجة الرسومية، في محاولة لتكريس فكرة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد خيار، بل هو المستقبل الذي لا مفر منه.
لكن تحت هذا الطوفان الإعلاني، بدأت تتشكل تصدعات في الصورة المثالية. شخصيات بارزة في المجال، مثل سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، أبدت تحفظات واضحة على حجم الحماس المفرط الذي يُبديه المستثمرون تجاه الذكاء الاصطناعي، ففي لقاء خاص مع صحفيين، قال ألتمان: “هل نحن في مرحلة من الحماس الزائد؟ نعم، هذا ما أعتقده.”
وتزامنت تصريحاته مع اعترافه بأن إطلاق النموذج الأحدث من ChatGPT لم يكن على قدر التوقعات، رغم ما وُعِد به من تفوق ملحوظ على النموذج السابق GPT-4.5. وبينما قد يكون حديث ألتمان محاولة لصرف أنظار المستثمرين عن منافسيه، إلا أن مؤشرات أخرى تدعم وجهة نظره، بحسب الصحيفة.

شركات التكنولوجيا العملاقة.. أرقام مقلقة في السوق
بحسب ما أوردته الصحيفة، كشف معهد MIT في دراسة حديثة أن 95% من مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي لم تؤدِ إلى نمو يُذكر في الإيرادات، ما تزامن مع أسبوع من التراجع الملحوظ في أسهم عدد من الشركات التي ضخت استثمارات ضخمة في هذا المجال؛ حيث فقدت شركة Palantir نحو 9% من قيمتها السوقية، وتراجعت أسهم Oracle بنسبة 5.8%، كما انخفضت Nvidia بنسبة 3.5%، في حين سجّلت كل من AMD وArm تراجعاً تجاوز 5%.
وحتى مع توقعات خفض أسعار الفائدة، التي دعمت أسواق قطاعات أخرى، لم تستفد أسهم التكنولوجيا من هذا الاتجاه، ما يعزز الشعور بأن قطاع الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة مراجعة وتقييم جاد.
ميتا تُجمّد التوظيف.. والتبريرات لا تُقنع
أشارت الصحيفة أيضاً إلى خطوة مفاجئة من “ميتا”، التي لطالما كانت في طليعة من ينفق بسخاء على الذكاء الاصطناعي، فبعد استثمارات بمليارات الدولارات لاستقطاب أفضل الكفاءات، أعلنت الشركة عن تجميد التوظيف في فرق الذكاء الاصطناعي.
وعلى الرغم من محاولات التهوين من القرار، كتب ألكسندر وانغ، رئيس مختبرات “Meta Superintelligence”، عبر منصة X قائلاً: “نحن نستثمر أكثر فأكثر في فرق الذكاء الاصطناعي، وأي تقارير تقول غير ذلك فهي خاطئة تماماً.”
إلا أن هذا الإعلان جاء بعد أسبوع واحد فقط من إعلان العديد من هذه الشركات عن أرباح قوية، مصحوبة بزيادات هائلة في خطط الإنفاق على قدرات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.
ولفتت الصحيفة إلى أن ألتمان نفسه قال، في العشاء ذاته، إنه يتوقع أن تنفق OpenAI “تريليونات” على مراكز البيانات “في المستقبل غير البعيد”، بحسب ما نقلته صحيفة “ذا فيرج”.

هل انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي؟
ترى “الجارديان” في تقريرها أن هذا التراجع لا يجب تفسيره على أنه انهيار للفقاعة بقدر ما هو تصحيح مطلوب في سوق طغت عليه المبالغات، فالمستثمرون، الذين اعتادوا الاستماع لأصوات متفائلة في وادي السيليكون، باتوا بحاجة لتقدير واقعي للمردود الفعلي لهذه التقنية. في هذا السياق، شارك المدير التنفيذي السابق لـ”جوجل”، إريك شميت، مع الباحثة سيلينا شو، مقالاً مشتركاً يحذر من الهوس بتحقيق “الذكاء العام الاصطناعي” (AGI)، أي الذكاء القادر على تجاوز البشر.
وكتب شميت وشو: “من غير المؤكد متى يمكن تحقيق الذكاء العام الاصطناعي، ونخشى أن يؤدي هذا الهوس إلى تهميش الجمهور العام، بل وتفويت فرص حقيقية لاستخدام تقنيات موجودة بالفعل.”
وأضافا أن هناك فجوة متسعة بين المهندسين الذين يعيشون في فقاعة AGI، وبين عامة الناس الذين باتوا يرون الذكاء الاصطناعي كتقنية مزعجة أو مثيرة للقلق.
الشركات تواصل ضخ المليارات
وتتابع الصحيفة أن الأمر غير واضح حتى الآن، متسائلة: هل ستأخذ الشركات هذه التحذيرات على محمل الجد؟، ففي الواقع، لا يزال كل تقرير أرباح ربع سنوي يُستخدم كأداة لتبرير المليارات المصروفة على البنية التحتية، حيث يحرص التنفيذيون على إقناع المستثمرين بأن الإنفاق سيؤتي ثماره.
في إشارة إلى مارك زوكربيرج على سبيل المثال، قال مؤخراً إن من لا يستخدم نظارات الذكاء الاصطناعي في المستقبل سيكون في “وضع معرفي أقل”، تماماً كما هو الحال مع من لا يرتدي نظارات طبية عند الحاجة، في رؤية تعني أن شركات مثل ميتا وجوجل ستواصل دمج ميزات الذكاء الاصطناعي في منتجاتها الأساسية، بهدف زيادة جمع بيانات التدريب وتعزيز أعداد المستخدمين.
إيرادات “نفيديا”… الاختبار الأول للذكاء الاصطناعي
ووفقاً للصحيفة، فإن أول اختبار فعلي لمزاج السوق تجاه الذكاء الاصطناعي سيأتي يوم الأربعاء، مع إعلان نتائج شركة Nvidia، إحدى الركائز الأساسية في صناعة المعالجات المخصصة لتدريب النماذج اللغوية الكبرى.
وبينما يبدو المحللون متفائلين، فإن رد فعل المستثمرين سيكون مؤشراً حاسماً على ما إذا كانت “آلة الضجيج” ستواصل دورانها.

الذكاء الاصطناعي رفيقاً عاطفياً للمستخدمين
في سياق آخر، تنقل الجارديان عن الصحفية داني أنغيانو، أن مستخدمي ChatGPT من أصحاب الاستخدام الكثيف بدأوا يشعرون بعلاقة عاطفية مع النظام، لدرجة أن التغييرات في شخصية النماذج الجديدة تسببت في “صدمة” لبعضهم.
كما وصفت المبرمجة السويدية لين فايلت، الأمر بعد تحديث GPT-5 قائلة: “لقد كان الأمر فظيعاً حقاً، وكأن أحدهم أعاد ترتيب أثاث منزلي بالكامل.”
وسريعاً، قامت OpenAI بإجراء تعديلات على شخصية GPT-5، مع إتاحة العودة للنماذج السابقة – لكن فقط للمشتركين – مع الإقرار بأنها لم تُقدّر مدى أهمية بعض الميزات لمستخدميها الأوفياء.
هل يستغنىTikTok عن البشر؟
في هذا الصدد، سلطت الصحيفة الضوء على تحول شركة TikTok نحو الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في مراقبة المحتوى، على حساب البشر، ففي سبتمبر، تم تسريح الفريق الكامل المكوَّن من 300 مشرف محتوى في هولندا، وفي أكتوبر، أعلنت الشركة عن استبدال 500 موظف في ماليزيا بأنظمة ذكاء اصطناعي، والأسبوع الماضي، نظم موظفو TikTok في ألمانيا إضراباً بسبب خطة تسريح تطال فرق الثقة والسلامة.
ووفقاً لتقارير TikTok، فإن نحو 85% من قرارات إزالة المحتوى تتم حالياً عبر أنظمة مؤتمتة، وتسعى الشركة إلى رفع هذه النسبة، حيث إن اللافت أن هذا التحول لا يأتي نتيجة تراجع في الأعمال، بل العكس تماماً، إذ أظهرت البيانات ارتفاعاً في العائدات بنسبة 38% في المملكة المتحدة وأوروبا.
في حين أوقفت شركات تكنولوجية أخرى، مثل ميتا، مبادرات التحقق من المعلومات، وإيلون ماسك الذي خفّض عدد فرق الإشراف في X، تسير على النهج ذاته.
أما في الولايات المتحدة، ورغم بعض التخفيضات المحدودة، لم تُقدم TikTok على تسريحات جماعية للمشرفين حتى الآن، ربما لتفادي إثارة ردود فعل سياسية في وقت لا يزال فيه موقف الحكومة الأمريكية من التطبيق غير واضح.
ورغم إنشاء البيت الأبيض حساباً رسمياً على TikTok مؤخراً، فإن الحظر الأمريكي لا يزال معلقاً بمراسيم تنفيذية مؤجلة، قد تتغير في أي لحظة وفقاً لتقلبات المواقف السياسية، خاصة مع اقتراب الانتخابات.





